ابن أبي الحديد

54

شرح نهج البلاغة

والعاص بن وائل ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأمثالهم من رؤساء قريش فقالوا يا أبا طالب ، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آراءنا ، فإما أن تكفه عنا ، وإما أن تخلى بيننا وبينه . فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا ، فانصرفوا عنه ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله على ما هو عليه ، يظهر دين الله ، ويدعو إليه ، ثم شرق ( 1 ) الامر بينه وبينهم ، تباعدا وتضاغنا ( 2 ) ، حتى أكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله بينها ، وتذامروا فيه ، وحض بعضهم بعضا عليه ، فمشوا إلى أبى طالب مره ثانية ، فقالوا يا أبا طالب ، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا ، وانا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر على شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، فاما أن تكفه عنا أو ننازله وإياك ( 3 ) حتى يهلك أحد الفريقين . ثم انصرفوا ، فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم تطب نفسه باسلام ابن أخيه لهم وخذلانه ، فبعث إليه فقال يا بن أخي ، إن قومك قد جاؤوني ، فقالوا لي كذا وكذا - للذي قالوا - فابق على وعلى نفسك ، ولا تحملني من الامر ما لا أطيقه . قال : فظن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قد بدا لعمه فيه بداء ، وإنه خاذله ومسلمه ، وإنه قد ضعف عن نصرته والقيام دونه ، فقال يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على إن أترك هذا الامر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك . ثم استعبر باكيا وقام ، فلما ولى ناداه أبو طالب أقبل يا بن أخي ، فاقبل راجعا ، فقال له اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشئ أبدا ( 4 ) .

--> ( 1 ) ابن هشام : ( ثم شرى الامر بينه وبينهم ) ، قال أبو ذر : معناه ( كثر وتزايد ) ، وأصله في البرق ، يقال : شرى البرق : إذا كثر لمعانه . ( 2 ) التضاغن : المعاداة . ( 3 ) ننازله وإياك : أي نحاربكما . ( 4 ) سيرة ابن هشام 1 : 276 - 287 .